الثـــــــأر

بعد مراسم الدفن، جمعت المرأة أبناءها الخمسة حولها، كما لو أنها تحاول وإياهم عمل المستحيل لإعادة استحضار زوجها جواوو فلورو الذي اغتيل أول أمس.
بيد أن هذه المواساة الحزينة لم تقوِّ سوى يقينها بأنها أصبحت وبمعية أبنائها الخمسة بلا أب. وأجهشت باكية.
من الخارج أتى نداء:
ـ هل من أحد هنا؟
ردت باكية:
ـ من هناك؟
ـ شخص يريد لكم الخير.
مسحت عينيها بأسفل التنورة التي تنزل إلى ما تحت الركبتين، وذهبت لتعرف من يكون ذاك الشخص. رجل ذو قامة فارعة، ولحية بيضاء، يقف قرب فجوة أحدثها الباب الذي لم يكن مغلقاً.
كان ذاك الشخص هو الكولونيل أورينسيو. جاء شخصياً ليقدم لها دعم العدالة، وكذلك ليعلن لها أنه لن يدخر جهداً داخل البلد، واعداً إياها أن ينفذ مهمته "الذي يقتل يجب أن يموت".
لا... المرأة لا تريد انتقاماً. يكفي ما سال من دماء. لقد فوضت أمرها لله.
ـ لكن، باسم الرب أتيت إلى هنا- قال الرجل- المجرم في الأسر، وعليه الآن أن يؤدي من حياته ثمن قتله المرحوم جواوو فلورو، صاحب الروح الطاهرة، والذي مات بريئاً!
ـ لست سوى أرملة بائسة- أنّت المرأة- لدي خمسة أطفال هم في حاجة إلى رعاية. أعرف كولونيل أورينسيو مدى ما لديك من نفوذ وقوة. لكن وأرجوك ألا تعتبر طلبي إساءة إليك، ليس استعمال هذا النفوذ هو الذي سيساعد أطفالي. ليس الثأر هو الذي سيمكنني من إعالتهم.
ـ ليس هناك علاقة بين الاثنين- قال الكولونيل- أطفال الراحل جواوو فلورو لن يموتوا جوعاً، بفضل الرب، على الأقل ما دمت على قيد الحياة. لكن القرار اتخذ، سيُثأر لجواوو فلورو، لأن ذلك هو الذي يجب أن يحدث. عندي سلفاً الشخص الذي سيقوم بهذه المهمة.
ورفع يده مودعاً:
- ليرعاك الرب، سيدتي إيرنيستينا.

ثم فرقع أصابعه مثيراً انتباه كلب ضخم أشهب تبعه حالاً وفي صمت، ابتعد على الطريق الذي يحاذي الحاجز، وتوارى خلف أجمة أشجار ذات أغصان مشذبة .

كان جواوو فلورو بريئاً. لم تكن له علاقة بسرقة الأبقار. يا للرجل التعس! أي رغبة تلك التي دفعته ذلك اليوم ليذهب إلى المدينة.
فكرة واحدة كانت تشغل بورسينو، مالك الأبقار، ويدافع عنها ألا وهي أن الحق إلى جانبه. كان يريد أن ترد إليه بهيمته، هذا كل ما في الأمر، كانت بقرة جيدة، وكانت تحمل علامة. وحتى لو لم تكن كذلك، فإنها كانت تعتبر واحدة من قطيعه، هذا كل شيء... لكل واحد ما كسب.
انطلق الجدال في السوق. ارتفعت درجة حرارة بورسينو ، فدفع جواوو فلورو، ثم وقد فقد كل سيطرة على نفسه، ومدفوعاً برغبة في سفك الدماء والقتل... انتهى به المطاف إلى أن يطعنه بخنجره في بطنه لمرات ثلاث، من تحت إلى فوق وبكل ما أوتي من قوة.
سقط جواوو فلورو على الأرض. لكنه تلقى طعنة رابعة، وهذه كانت في القلب، لتصفيه تصفية نهائية.

" إنسان جبان و دنيء"... قال الكولونيل أورينسيو في داخله، بينما هو يسير، مسترجعاً ما نقله إليه شاهدان كانا حاضرين لحظة الحادث "القروي بيدرو بولينو وابنه، شخصان يُشهد لهما بالاستقامة، وهما محل ثقة، ويستحيل أن يكذبا. وهما اللذان حضرا وقائع الحادثة كلها، وكان أن ثارت ثائرتهما.
وبورسينو؟ هل بقي هناك، ذاك النذل؟ هل فر هارباً؟
فر إلى مركز البوليس، وهناك سلم نفسه للعدالة. لم يكن له خيار ثان. السجن كان المكان الوحيد الذي يضمن الأمان لحياته، ذلك لأنه يعرف الآن، والرب وحده يعرف كيف نسي في سورة غضبه، أن جواوو فلورو يتمتع بحماية الكولونيل أورينسيو.


عاد الكولونيل أورينسيو إلى بيته واستدعى الرجل الذي اختاره للمهمة:
ـ حاول العثور على وسيلة ليُقبض عليك. وحين تصير في

السجن، وفي اللحظة المناسبة، تخلص من بورسينو، لكن افعل بسرعة. لقد قتل جواوو فلورو دون سبب، وعليه أن يؤدي ثمن ما تسبب فيه من أّذى. الذي يقتل يجب أن يموت. بعد ذلك سأعمل على إخراجك من السجن. أم أن لديك شك في ما لدي من نفوذ!؟

بيزيكا، هكذا يلقب الرجل المكلف بالمهمة، ملون، ذو أنف شامخ، لم يكن لديه شك في ذلك. من يكن تحت حماية الكولونيل أورينسيو لا يظل في السجن ولو بسبب قتل. يكفي أن يمثل أمام المحكمة، ثم يطلق سراحه بعد ذلك. كان الكولونيل أورينسيو ذا نفوذ كبير، وحين يقدم وعداً، فلا بد أن يفي به .
ـ عندما تصبح حراً، سأسلمك النصف الآخر، تابع الكولونيل. والآن يمكنك أن تنصرف. اذهب، واعمل على أن تجد وسيلة ليُقبض عليك.
طبعاً، عليه أن يجد طريقة ليُقبض عليه، لأنه إذا لم يودع السجن، فلن يتمكن من الدخول، وإذا لم يتمكن من الدخول، فلن يتمكن من الاقتراب من بورسينو والقضاء عليه.


اختلق فوضى في ملهى للقمار. لكن ولا أحد استدعى البوليس للقبض عليه. فقط تصايحوا:
ـ أخرجوه من هنا !
و بعدها مباشرة، أخذوا بيزيكا من رقبته ورموا به إلى الخارج، مغلقين خلفه الباب. خبط على الباب، مهدداً بتحطيمه. وفي النهاية توقف عن الاستفزاز. أولئك الذين كانوا يلعبون في الداخل لم يحركوا ساكناً.
الوحيد الذي تحرك، كان هو بيزيكا، الذي توجه إلى بار. طلب قنينة "كشاسا"، معلنا أنه لن يؤدي ثمنها، مصمما على أن يصل إلى هدفه: إحداث الفوضى، ودخول السجن. لكنهم أحضروا له الشراب، لأن رجلاً انبثق من حيث لا يدري قائلاً بهدوء، وبنبرة ودية:
- حسنا، أنا الذي أؤدي الثمن.
وبالإضافة إلى القنينة الأولى، قنينة أخرى، واثنتين أخريين، الأخيرة سعتها لتراً بالتمام والكمال.
وفي خضم " الكشاسا"، لم تحدث المشاحنة التي كان على بيزيكا أن يحدثها، تحولت إلى صداقة. حتى أن جندياً من الكتيبة كان يتواجد في عين المكان انضم إليهما، وشاركهما الشراب.

أغلق البار أبوابه، والعديد من السكارى توزعوا عبر الدروب. وفي أول ركن من الزقاق، وبينما كان بيزيكا يتلفظ بكلمات نابية، تذكر فجأة أمر الكولونيل أورينسيو.
"حاول أن تجد وسيلة للقبض عليك".
بداية، ولحظة التذكر، خيل إليه أنه يسمع صوتاً قادماً من بعيد، لكن مباشرة بعد ذلك، خيل إليه أن هناك من يصرخ قرب أذنه.
لم يضيع وقتاً.
لمح عاهرة على الجانب الآخر من الزقاق، أسفل عامود نور. اقترب منها، كما لو أنه يريد منها شيئاً آخر، وطعنها بسكين طعنتين ـ الواحدة تلو الأخرى. في هذه المرة، كان يجب القبض عليه.
أطلقت الفتاة صرخة مرعبة وسقطت مترنحة على الرصيف. كان أشخاص قد تجمعوا، أقبل جنديان وقادا بيزيكا إلى السجن.
صرح أثناء الاستنطاق:

- أردت فقط أن أخدش ذراعها بسكيني. لكنها تحركت خطأ فأصابها النصل إصابة بليغة حد الإدماء. ـ تحركت خطأ، هه؟ قال وكيل الأمن. حسناً، لتعلم أنك قتلت الفتاة. إنها الجريمة الأكثر دناءة التي لم نشهد مثلها أبداً هنا.
ووضع السكين في الدرج كي يقدمه يوم المحاكمة.

أودع بيزيكا السجن، أخيراً سيجد بورسينو. أسبوعان بعد ذلك، وذات ليلة، وبينما كان بورسينو يغط في نوم هادئ، جذب منه بيزيكا حزامه وطوق به عنقه، ثم شنقه.
أطلق بورسينو أنة مختنقة، لكنها كانت من القوة ما جعل بقية السجناء يستيقظون. كانوا أربعة، وغضباً مما رأوه، دفعوا بيزيكا إلى ركن الجدار وبواسطة ملاءة، شنقوه بدوره.

في الصباح الباكر، عثر حارس السجن على الميتين.
ولا تزال التحريات جارية.

الكولونيل أورانسيو، عندما علم بما حدث، قال للذي حمل له الخبر:
ـ لقد نال النهاية التي يستحقها. ـ من؟ سأل الرجل. بورسينو أم بيزيكا؟
رفع الكولونيل عينيه إلى السماء، وأجاب بهدوء، بعد أن صنع بأصابعه في الهواء إشارة صليبه:
ـ الاثنان... كل واحد منهما يشبه الآخر.


إيربيرتو ساليس
مواليد باهيا/البرتغال عام 1917.
صحفي- ناشر- روائي وقصصي. تحصّل على الكثير من الجوائز الأدبية. عضو الأكاديمية البرازيلية للآداب.

من أعماله:
- حكايات عادية 1966
- رواية أوجه الزمن. صدرت بالفرنسية سنة 1991.

للأسف لا يوجد على الشبكة العنكبوتية أي معلومات إضافية عن الكاتب.

نقلها إلى اللغة العربية: عبد الحميد الغرباوي


 

Twitter Bird Gadget