كرامة الحمار قبل كرامة صاحبه

حظيتْ يومًا دوريّة من رجال الدرك في منطقة النبطيّة بِرَجُل
يفلح على ثور وحمار، فنظّمت بحقه «ضبط مخالفة»، لأنّ الحراثة على الحمار لا تجوز شرعًا، وهي مخالفة لقانون الرفق بالحيوان.
وتولّى النظر بهذه القضيّة القاضي المنفرد في محكمة النبطيّة، فعيّن جلسة واستدعى الرجل لمحاكمته حسب الأصول.

وعندما دخل الرجل إلى المحكمة سأله القاضي عن سبب إقدامه عن ارتكاب المخالفة المنسوبة إليه، وهي الحراثة على حمار، خلافًا للعرف والقانون. فقال بصوت متهدّج ونبرات متقطّعة، ... انّه رجل فقير جدًّا وسيّء الحظّ وليس عنده إلّا ثور واحد، لأنّ ثوره الآخر مات مؤخّرًا وهو لا يملك أيّة دراهم لشراء ثور جديد. وقال إنّه ربّ عائلة كبيرة وهو مسؤول عن معيشتها، لذلك اضطرّ إلى ربط حماره إلى جانب ثوره – وهما رفيقا عمل – للحراثة عليهما معًا، ولم يلاحظ أنّ الحمار تذمّر أو استنكر هذا العمل باعتباره أرفع قدرًا من الثور وأنبل منه حسبًا ونسبًا.

فتأثّر القاضي بكلام الرجل، ووجد نفسه في حيرة بين حرفيّة القانون وقوّة الواقع: رجل فقير لم تفعل الدولة شيئًا من أجله، ولم تحاول أن تحافظ على حقه أو على كرامته، بل إنّها تريد أن تحافظ على حق وكرامة حماره والحمار هو حماره، بل هو رفيق مصيره. فإذا حكمت المحكمة على الرجل بالجزاء النقديّ، لأنّه أهان كرامة حماره، فهذا يعني أنّ الرجل سيقتطع، لا جزءًا من ثمن طعام أولاده فحسب بل من ثمن طعام حماره أيضًا، ليؤمّن قيمة الغرامة.
إذن، باسم الشعب اللبنانيّ، حكمت المحكمة ببراءة هذا الرجل، حتّى لا يقال إنّ المحكمة تحافظ على كرامة الحمار أكثر من كرامة صاحبه.

وذاع خبر هذه المحاكمة وهذا الحكم الغريب، وتناقلته الألسن وعلّقت عليه الصحف ما طاب لها التعليق، فنشرت إحدى المجلات صورة كاريكاتوريّة لحمار يقف على رجليه ويضع يديه على قوس المحكمة مطالبًا بحقوقه المشروعة. وأشيع يومئذٍ أنّ القاضي المذكور إستقال بسبب مضاعفات هذه الدعوى.
  
من كتاب لئلا تضيع/سلام الراسي
(1911 - نيسان 2003)
وهو أديب لبناني ولد في قرية إبل السقي/ قضاء مرجعيون.
 يلقبه أهل الجنوب بـ "أبو علي". 
هو أحد أعمدة التراث الحكائي وتراث الأمثال والفلكلور وكل ما يخص التجربة الشعبية اللبنانية وتجربة المنطقة اللبنانيّة الريفية الجنوبية بشكل عام.
وقد عُرِف سلام الرّاسي بلقب "شيخ الأدب الشّعبي" وتمتاز كتاباته بسلاسة الأسلوب وقدرة المزج ما بين اللغة الفصحى والمحكيّة. 
كما تجدر الإشارة إلى انّه قدّم العديد من الحلقات التليفيزيونية على تلفزيون لبنان في مطلع التسيعنيات.
Twitter Bird Gadget