حاسة كلب

سُرق معطف من الفراء من التاجر بابكين. فولول متحسراً على الفراء قائلاً: إن المعطف جيد جداً، أيها المواطنون، ولن أبخل بالمال، وسأعثر على السارق وأبصق في وجهه.


استدعى بابكين الكلب البوليسي الجنائي الكشاف. فجاء رجل بثياب رثة، وقد غطى رأسه بقبعة، وإلى جانبه الكلب البوليسي. كان الكلب بني اللون، حاد التقاسيم، بشع الوجه.
دفع العميل الجنائي كلبه نحو الأثر بالقرب من الباب، وقال له "بس!" وابتعد.
شم الكلب الأثر، ومر بعينيه على الحشد المجتمع من حوله. وفجأة اقترب من العجوز فاكلا القاطنة في الشقة الخامسة، وأخذ يشم طرف ثوبها. ابتعدت العجوز عنه باتجاه الحشد، والكلب يشدها من ثوبها، وتنحت جانباً والكلب في إثرها. انهارت العجوز، وجلست على ركبتيها أمام الكلب البوليسي، وهي تقول معترفة: نعم، لقد وقعت... لن أنكر. سرقت خمسة أسطل من الخميرة، كما سرقت الجهاز أيضاً. كل شيء سرقته موجود عندي في الحمام. خذوني إلى الشرطة.

أخذ العجب من الجمهور كل مأخذ. ثم سُئلت العجوز: وماذا عن المعطف؟
- لا أعرف شيئاً عن المعطف، و لم أره. أما الباقي فقد اعترفت به. خذوني، اعتقلوني، أعدموني.
واقتيدت العجوز...

أخذ العميل كلبه من جديد، ودفعه من أنفه نحو الأثر ثانية، وقال "بس!" ثم ابتعد.
حرك الكلب عينيه، واستنشق الأثر، وأخذ يقترب نحو المواطن مدير البناء. صرخ المدير قائلا: قيدوني، أيها الناس الطيبون، أيها المواطنون الواعون. لقد جمعت منكم الأموال لقاء تزويدكم بالماء، لكنني صرفتها على هواي ومزاجي.
وبالطبع، هجم السكان على مدير البناء وأخذوا يقيدونه. وفي أثناء ذلك، اقترب الكلب من المواطن المقيم في الشقة السابعة، وشده من بنطاله.
شحب المواطن، واصفر وجهه، وانهار أمام الجمهور المحتشد، وهو يقول: مذنب... مذنب، لقد زورت تاريخ ميلادي في بطاقة العمل. كان يجب عليَّ وأنا الشاب، أن أخدم في الجيش وأدافع عن الوطن، بينما أنا أقيم في الشقة السابعة، وأستفيد من الطاقة الكهربائية، والخدمات البلدية الأخرى. خذوني.

ذهل الجمهور المحتشد وارتبك، وكان كل واحد يقول في نفسه "يا له من كلب ذكي فطن".

وهنا، حرك التاجر بابكين عينيه، ونظر من حوله، ثم أخرج نقوداً من جيبه، وقال لعميل الشرطة الجنائية: خذ كلبك إلى الشيطان، وليذهب معطف الفراء إلى الجحيم، والكلب معه...

وهنا، وقف الكلب أمام التاجر، وأخذ يلوح بذيله.
شعر التاجر بابكين بالخوف، وابتعد جانباً، والكلب يجري في إثره، ثم اقترب منه، وأخذ يشم "كالوشه". امتقع وجه التاجر واصفر، ثم اعترف قائلاً: إن الله يرى كل شيء، ويعرف الحقيقة. أنا سارق، وحرامي، وابن كــلبـــة. فالمعطف ليس لي، وقد سرقته من أخي... وأنا أنوح وأبكي.

تفرق الناس وهربوا كل واحد في اتجاه. وأما الكلب، ودون أن يستنشق أي أثر، لحق باثنين أو ثلاثة، وأمسك بهم. واعترفوا، وندموا على ما فعلوه. أحدهم سرق أموال الدولة، والثاني ضرب زوجته بالمكواة، أما الثالث فقال ما لا يمكن قوله أو التعبير عنه.
تفرق الحشد وهرب، وأصبح الفناء خالياً من الناس. و لم يبق سوى الكلب وصاحبه.
وهنا، اقترب الكلب من صاحبه، عميل الشرطة الجنائية، وهو يهز بذيله. شحب العميل وسقط على ركبتيه أمام الكلب وهو يقول: مزقني بأسنانك، أيها الكلب. فأنا أقبض، لقاء إطعامك، ثلاث قطع من فئة العشر روبلات وأحتفظ باثنتين منهما لنفسي...

لم أعرف ماذا حصل بعد ذلك، فقد اختفيت بأسرع ما يمكن، خوفاً من الخطيئة!




ترجمة: د. نزار العيون السود

ميخائيل زوشينكو 1894- 1958
كاتب روسي. بدأ العمل بالأدب عام 1921.

خلال العشرينيات والثلاثينيات كان من ألمع أسماء أدباء القصة القصيرة.

انتخب زوشينكو في المؤتمر الأول للكتاب السوفييت، الذي عقد عام 1934 عضواً في إدارة اتحاد الكتاب السوفييت. في عام 1935 نشر زوشينكو مجموعة قصص هجائية بعنوان "الكتاب السماوى". واعتبر النقد الأدبي السوفييتي الرسمي أن زوشينكو قد خرج في هذا الكتاب من أطر الهزل والهجاء الإيجابي، الأمر الذي جعل السلطات تفرض الحظر على نشر كتبه في الاتحاد السوفييتي.
كتب زوشينكو إبان الحرب الوطنية العظمى (1941 – 1945) عدداً من المقالات الهجائية الموجهة ضد النازية وزعمائها، بالإضافة إلى بعض السيناريوهات للأفلام الروائية. ولكن أهم ما كتبه في تلك الفترة هو كتابه العظيم "قبل شروق الشمس" وقد حاول في هذا الكتاب أن يبحث عن سبب كآبته واسترجاع حوادث من الطفولة والشباب، بالإضافة إلى الأحلام للتوصل إلى سبب مرض الاكتئاب الذي أصابه، دون جدوى. ويعتقد الخبراء في علم النفس أن زوشينكو استبق في هذا الكتاب بعض الاكتشافات في مجال علم اللاوعى.

بعد موت ستالين استعاد زوشينكو عضوية اتحاد الكتاب. ولكنه حُرِم من تقاضى المعاش التقاعدي بعد بلوغه سن التقاعد. وتمكن زوشينكو عام 1957 من إصدار مختارات من قصصه، لكن صحته تدهورت سريعًا، وقضى آخر سنوات حياته في منزله الصيفى بمدينة سيستروريتسك حيث كان يواجه أزمة نفسية صعبة. توفى زوشينكو في 22 يوليو عام 1958 نتيجة إصابته بالسكتة القلبية. ودفن في مقبرة بلدة سيستروريتسك بضواحى مدينة ليننجراد (بطرسبورج حالياً).
 

Twitter Bird Gadget