اللحاف

مترجم عن اللغة الأوردية

في كل شتاء، عندما أسحب اللحاف فوقي ويتمايل ظله الذي يلقيه على الجدار كالفيل، بقفزة واحدة يدخل عقلي في سباق مع الماضي، وتقليبٍ في طياته. يا للذكريات التي تنتعش في ذاكرتي!.


لا أعتزم هنا إخباركم قصة رومانسية عن لحافي الشخصي. في الواقع، لا يمكن أن ترتبط الرومانسية تماماً مع اللحاف. لنفكر بالأمر، يمكن أن تكون الملاءة أقل راحة، ولكن ظلها غير مخيف على الإطلاق... كالظل المتحرك للحاف على الحائط. تعود قصتي إلى الأيام التي كنت فيها صغيرة جداً، حيث اعتدت أن أمضي طول اليوم في مشاحنات مع إخوتي وأصدقائهم الذكور.
أتساءل أحياناً لماذا كنت مشاكسة إلى هذا الحد في تلك الأيام. ففي السن الذي كانت فيه الفتيات يكتسبن المعجبين، كنت منهمكة في الشجار مع كل فتى أو فتاة أصادفها في طريقي.
لهذا السبب، عندما ذهبت أمي في زيارة إلى أغرا تركتني لمدة أسبوع برعاية شقيقتها المتبناة. كانت أمي تعرف جيداً أنه لا يوجد طفل واحد، ولا حتَّى فأرة، يمكن أن أتشاجر معها في هذا البيت. كان ذلك عقابا لطيفاً بالنسبة لي! حسن، وهكذا حدث أنني تركت تحت رعاية "بيجوم جان" التي انفرزت ذكرى لحافها في ذاكرتي، وما يزال محفوظاً فيه حتَّى هذا اليوم كالندبة التي تتركها مكواة متوهجة الحرارة. قام والدا "بيجوم جان" الفقيران بتزويجها إلى السيد نوّاب، لأنَّه كان رجلاً تقياً جداً، على الرغم من أنه متقدم قليلاً في السن. لم تدخل مطلقاً إلى بيته عاهرة أو فتاة شارع. أدى بنفسه فريضة الحج إلى مكة، وساعد الكثيرين على تأدية هذه الفريضة المقدسة.
ولكن كان لدى نواب هواية غامضة. من المألوف أن يُغرمَ الناس بتربية الحمام أو مصارعة الديكة وهلمّا جرّا. ولكن نواب كان يكره مثل هذه الاهتمامات السخيفة.
كانت سعادته الوحيدة هي أن يجمع الطلاب حوله، صبية صغار

وسيمون بخصور نحيلة، يتحمل السيد نواب شخصياً نفقاتهم بسخاء.
بعد أن تزوج من بيجوم جان، ووضعها في منزله مع باقي الأثاث، نسي وجودها كلياً وترك بيجوم جان الشابة الضعيفة لتذبل في وحدتها.
من الصعب القول من أين تبدأ حياة بيجوم جان؛ من النقطة التي ارتكبت فيها الغلطة الأولى ألا وهي القدوم إلى هذا العالم، أم عندما أصبحت زوجة لنواب وقيدت إلى سريرها المغطى بمظلة؛ أم عندما غزا الصبية حياة السيد نواب، وبدأت بتحضير الأطباق الغنية والحلويات الفاخرة وتقديمها لـه. وشعرت بأنها تتقلب على
سرير من الجمر المتوهج وهي تراقب من شقوق باب قاعة الاستقبال، فترى الصبية في قمصانهم نصف الشفافة، وسيقانهم الجميلة في السراويل الضيقة، وخصورهم الرشيقة. أم هل بدأت عندما أخفقت كل صلواتها ونذرها، وكذلك كل سهرها وسحرها في تحريك مشاعر نواب؟ ما الفائدة من وضع علقات على حجر؟ لم يتحرك نواب قيد أنملة. وعندما حصل هذا تحطم فؤاد بيجوم جان.

التفتت نحو الكتب، ولكن هذا أيضاً لم ينجح. فالروايات الرومانسية والقصائد العاطفية زادت من كآبتها. هجر النوم عينيها وأصبحت كتلة من الندم والقنوط. فلتذهب كل تلك الملابس إلى الجحيم! يرتدي المرء أحلى حلة ليلفت نظر الآخر.
ولكن هنا، ليس عند نواب وقت يوفره من انشغاله بالصبية لينظر
إليها، ولا يُسمح لـها بزيارة الآخرين. منذ أن تزوجت، يأتي أقرباؤها لزيارتها، ويمكثون عندها لأشهر، في حين لا تستطيع السيدة المسكينة أن تتخطى حدود منزلها. هؤلاء الأقارب يجعلون الدم يغلي في عروقها. جميعهم يأتون للاستمتاع، يتناولون الأطعمة الغنية التي يقدمها السيد نواب، ويحصلون على احتياجاتهم الشتوية، بينما هي تقبع في البرد، وتشعر بقشعريرة تسري في أوصالها حتَّى وهي تحت اللحاف، المحشو حديثاً بقطن تمَّ تمشيطه
ليصبح زغباً. وبينما هي تتقلب في فراشها، كان اللحاف يلقي على الحائط ظلالاً دائمة التغير، ولكن كل هذه الظلال لا تقدم لـها أي أمل أو عزاء. لماذا يحيا المرء إذاً؟... حسنٌ، يحيا المرء ما دامت الحياة مستمرة. طالعها يقول إنها يجب أن تحيا، لذا هي ما تزال حية.
"رابو" هي التي سحبتها من شفير الهاوية. ثمَّ وبلمح البصر، بدأ
جسد بيجوم جان الجاف يمتلئ، وتوردت وجنتاها، وتفجر جمالها. إن التدليك بزيت غامض أعاد ماء الحياة إليها. وإذا سألتموني أقول لكم إن أفضل المجلات الطبية لن تتمكن من إعطاء الوصفة الطبية لـهذا الزيت.
عندما رأيت بيجوم جان للمرة الأولى كانت في الأربعين أو الثانية والأربعين من عمرها، كم كانت تتكئ بأناقة على المسند، في حين تجلس "رابو" بالقرب منها تدلك ظهرها وجسدها! كانت تلقي وشاحاً أرجوانياً فوق ساقيها وتبدو مهيبة كالملكة! كنت مفتونة بجمالها إلى حد كبير. وكنت أسرّ بالجلوس إلى جانبها والنظر إليها لساعات. كان شعرها الأسود، المدهون بالزيت بسخاء، مصففاً بأناقة، ومرتباً بطريقة لا يمكن أن تجد خصلة من الشعر في غير مكانها. كانت عيناها سوداويين، وحاجباها المشذبان بعناية أشبه بقوسين مرسومين. وكانت عيناها منتفختين قليلاً بسبب جفناها الثقيلين وأهدابها الكثيفة. إلا أن شفتيها المحمرتين على الأغلب كانتا أكثر قسمات وجهها جاذبية بشكل مذهل. كانت شفتها العليا ملساء مع أثر ضئيل لشارب. وقد نما شعرها طويلاً عند صدغيها. عندما تراقب وجهها أحياناً يتولد لديك شعور غريب بأنك تنظر إلى وجه فتى يافع.

كانت بشرتها بيضاء وناعمة وكأن أحداً قد خاطها بإحكام على جسدها. عندما كانت في أوقات كثيرة تكشف عن ساقيها أسفل ركبتيها حتَّى تتمكن من حكهما، كنت أسترق نظرات سريعة لأرى كيف تتلألآن. كانت طويلة القامة، ولأن جسدها ممتلئ باللحم، كانت تبدو ضخمة الجثة. ولكن جسدها مسكوب بشكل مثالي ومتناسق بشكل جميل. كانت يداها كبيرتين بيضاوين وناعمتين، كما أن خصرها متناسق. حسن وكما كنت أقول، اعتادت "رابو" أن تجلس إلى جانبها، تهرش لـها ظهرها. كانت تجلس لساعات طويلة تفعل ذلك، وكأن هرش الظهر إحدى ضرورات الحياة الأساسية، أو حتَّى ربَّما أكثر من ذلك.




عصمت شوغتاي: 

ولدت عصمت شوغتاي (1915 ـ 1992) في مدينة بادايون، مدينة صغيرة في باكستان وترعرعت في جودهبور وأغرا. ثمَّ انتسبت إلى جامعة أليجار الإسلامية لإتمام دراستها العليا. بعد ذلك استقالت من عملها كمفتشة للمدارس لتتفرغ للكتابة بشكل كامل. كانت عضواً في مجموعة الكتاب التقدميين في الثلاثينات والأربعينيات. كتبت للمسرح وللشاشة ومثلت في كليهما. يعد تصويرها للشؤون الجنسية الأنثوية سابقاً لزمانها إلى حد كبير بصراحته.
من رواياتها المشهورة: العنيد، الشخص الفاسد، ومن القصص القصيرة: قل كلمة واحدة، واليدان.

No comments:

Post a Comment

Twitter Bird Gadget