سطوح طهران


تبدأ الرواية في أروقة مستشفى الأمراض النفسية، وشابٌ تائه لا

 يعرف هويته ولا هوية المكان حيث هو!


بينما تدور أحداثها في طهران خلال صيف عام 1973، وتروي

 حكاية مراهق يُدعى باشا (17 عامًا) يعيش

 في حي يضم الطبقة المتوسطة مع عائلته،

 وعلاقته القوية بصديقه أحمد.


يقضي الشابان ليالي الصيف على سطح منزل باشا، حيث يتأملان

 النجوم ويتبادلان الأحاديث عن الحياة والحب. بطريقة خفيفة الظل

 والروح، خاصة أسلوب أحمد الفكاهي بإلقاء النكات و"القفشات".

يقع باشا في حب سرّي لجارته الجميلة زاري، خطيبة مرشده

 وصديقه الدكتور رامين صبحي، وهو شاب مثقف وناشط سياسي.

 وهما مخطوبان منذ الطفولة.

أما أحمد فتربطه علاقة عاطفية بفتاةٍ تدعى فهيمة، تتمرد على 

عائلتها وترفض خطوبة عريس صالونات، وتعلن حبها لأحمد، 

فيضربه شقيقاها ضربًا مبرّحًا رغم صداقتهما به. لكن العاشقان لا

 يتراجعان عن حبهما، ويلتقيان دومًا بالسر.

عاشت إيران خلال عام 1974 أوضاع سياسية هامة، فمجموعة من

 الشبان ثارت على الشاه وحكمه التعسفي بقيادة "كلسرخي" ويعني

 إسمه الوردة الحمراء، مما عرَّض شباب الوطن لحملة اعتقالاتٍ 

عشوائية، ومراقبةٍ صارمة لكل تحركاتهم.


ينجح السافاك (جيش الشاه السري) باعتقال "كلسرخي" ومحاكمته

 واعدامه، ثم يقوم بحملة اعتقالاتٍ للشبان في البلاد، بتهمة النشاط

 السياسي فيكون الدكتور رامين من ضمن المعتقلين. مما يسبب

 أزمة ضمير للبطل باشا، لأنه اعتقد أن وجوده على السطح ليلة

 اعتقال الدكتور، ونظره إلى فناء منزل زاري حيث اختبأ الأخير،

 قد ساعد السافاك في تحديد مكانه.



يخطط أحمد كي تتعرف حبيبته فهيمة إلى زاري حبيبة باشا، وهكذا

 تصبح الفتاتان صديقتان حميمتان، ثم يبدأ

 أحمد ومعه باشا بالتسلل عبر أسطح 

منزليهما للنزول إلى فناء منزل زاري،

 والجلوس تحت شجرة الكرز في فناء الدار،

 مما يوطد العلاقة بين الأصدقاء الأربعة.


تريح زاري ضمير باشا من العذاب بعد أن تؤكد له أن السافاك كانوا

 يعرفون بشأنها هي والدكتور، وأنهم حتمًا كانوا عاجلًا سيطرقون

 باب المنزل ليجدوه عندها.

بعد مدة، يُعدم الدكتور في السجن، وتتغير حياة الجميع بشكل

 جذري. خاصة أن السافاك يمنع عائلة الدكتور من الحداد عليه أو

 زيارة قبره.


كانت زاري تعلم أن باشا مغرم بها، وكانت بدورها مغرمة به،

 لكنهما لم يُصرحا بمشاعرهما علانية احترامًا لذكرى الدكتور.

ولأنها منعت من إحياء ذكرى أربعين الدكتور لمصادفته مع ذكرى

 مولد الشاه، خططت للإنتقام واعلان رفضها لهذا التعسف في حكم

 البلاد والعِباد.


أصرت على حضور المناسبة ومشاهدة مرور موكب الشاه، فرافقها

 باشا وفهيمة وأحمد.

وفجأة ومن دون انذار تندفع من بين الجموع وتقف أمام الموكب،

 تسكب على نفسها مادة البنزين وتشعل النار

 بنفسها وهي تصرخ باسم "كلسرخي"!


يركض باشا ويحاول أن يخمد النيران

 بمعطفه، بينما أحمد يحاول أن يدفع رجال

 الأمن الذين ينهالون عليهما بالضرب.


باشا يفقد الذاكرة، ويتلقى العلاج في مستشفى الأمراض العقلية، أما أحمد فيدخل السجن.




بعد أن يستعيد باشا ذاكرته، يفهم أسباب الحروق في يديه وجسده،

 يسأل عن الجميع، فيخبروه أن أحمد سيخرج قريبًا من السجن، أما

 زاري فقد توفيت.

يعود إلى منزله، ويلتقي بأحمد والأصدقاء، فرحته فيها غصة فقدِ

 زاري، لكنه يرضخ للأمر الواقع، ويبدأ بالتحضير للسفر إلى

 أميركا لإكمال دراسته.


خلال زيارة وداعٍ لأسرة زاري، التي ستنتقل بدورها إلى منطقة

جنوب البلاد، يكتشف أمرًا يجعله مؤرقًا إلى أن يكتشف السرّ

 الكبير.


إن قريبتهم الملقبة ب "الملاك المقنع" لإرتدائها الشادور، ليست

 سوى زاري. وكان هذا اتفاقهم مع السافاك، أن يتم نفيهم إلى

 الجنوب، وأن تبقى شخصية زاري تحت حكم المتوفاة.

في النهاية، يتفق الحبيبان على أن يسافر باشا إلى أميركا وأن يعود

 ليأخذ معه زاري بعد أن تسمح ظروفه، ليبحثا هناك عن علاج لها.



تُروى الرواية بشكل غير خطي، حيث تنتقل بين صيف 

1973 ومشاهد في مستشفى للأمراض النفسية في شتاء 1974،

 حيث يُفترض أن باشا يتعافى من حادث مأساوي لا يُكشف عنه إلا

 في النهاية.


رواية مليئة بالمشاهد الساخرة، والعواطف الجياشة، والحب النقي،

 وصفاء الصداقة والوفاء بالوعود والعهود.


كما وتقدم صورة حية للمجتمع الإيراني قبل الثورة، وتجمع بين

 الدفء الإنساني والقسوة السياسية، مع تركيز على المشاعر

 الإنسانية.





العناصر الأساسية: الحب والصداقة: علاقات معقدة بين

 الشخصيات، وحب باشا الصامت لزاري.


القمع السياسي: سيطرة نظام الشاه، واضطهاد النشطاء، ووحشية

 السافاك.


التقاليد مقابل الحداثة: صراع بين الزواج المُدَبَّر والحب الحر، وبين

 الانضباط الغربي والعفوية الشرقية.


الخسارة والنضج: فقدان البراءة، والتعامل مع الموت والقمع،

 وانتقال الشخصيات إلى مرحلة البلوغ.



مهبُد سراجي


وُلد في إيران عام 1956، وغادرها إلى الولايات المتحدة في عام

 1976 عن عمر 19 عامًا لدراسة الهندسة

 المدنية في جامعة أيوا

 حصل لاحقًا على درجتي الماجستير

 والدكتوراه في مجالات السينما.

 وتكنولوجيا التعليم. يعمل حاليًا كاستشاري

 إداري ويقيم في منطقة خليج سان فرانسيسكو.

صدرت روايته "أسطح طهران" عام 2009 عن دار نشر Pengui

  وهي مستوحاة بشكل كبير من طفولته وشبابه في طهران خلال

 سبعينيات القرن العشرين، وتتناول قصة حب وصداقة على خلفية

 الاضطرابات السياسية في عهد الشاه وعنف السافاك (شرطة أمن

 الدولة).



 

الثعلب والطبل


دخل ثعلب إلى الغابة، فسمع صوتاً عظيماً، توجه نحوه فوجده طبلاً ضخماً معلقاً على غصن شجرة، وكانت الأغصان تضربه مع حركة الريح.

ظن متوهماً أن الطبل ضخم من كثرة الشحم واللحم، فطمع باللحم، ولم يتردد، فتسلق الشجرة واحتال على الطبل ففصله عن الشجرة، ورمى به إلى الأرض ثم عالجه حتى شقه، وقد كلفه ذلك جهداً عظيماً.

وكان من أمر الثعلب حين شقه أن وجده أجوف، لا شحم فيه ولا لحم، فأسف على ما تكبده من عناءٍ وتعب، ومنذ ذلك اليوم اقتنع أن الأشياء لا تقاس بأحجامها.

وقال: لا أدري... لعل أفشل الأشياء أجهرها صوتاً وأعظمها جثة.



من كتاب كليلة ودمنة


ألفه بيدبا الفيلسوف الهندي للملك "دبشليم".


ترجمه ابن المقفع (المولود باسم روزبه) في القرن

الثامن عشر.





































الرجل الذي يعبر الجدار

البداية والحياة الروتينية 
تدور القصة حول موظف بسيط يدعى دوتوي يعيش حياة رتيبة في مونمارتر، ويعمل في وزارة السجلات.

يكتشف صدفةً أنه صار قادرًا على عبور الجدران، بعد انقطاع كهربائي جعله يعبر من مكان مغلق إلى آخر من دون أن يستعمل الباب.
يذهب إلى طبيب، فيصف له مسحوق البيريت رباعي التكافؤ يتناوله مرتين في السنة، يتناول دوتوي منه حبة واحدة ثم يهمله، ويستمر في حياته العادية دون أن يستخدم هذه القدرة إلا نادرًا وبلا حماس.

تتغير حياته عندما يُستبدل رئيسه السيد مورون بالسيد ليكويي، وهو مدير صارم وقليل الكلام. يبدأ ليكويي منذ اليوم الأول في معاملة دوتوي بازدراء، خاصة عندما يرى نظارته ذات السلسلة ولحيته الصغيرة. يقرر ليكويي إجراء إصلاحات إدارية، منها تغيير صيغة المراسلات التي اعتاد عليها دوتوي لعشرين عامًا. يحاول دوتوي التمسك بطريقته القديمة، مما يزيد من عداوة مديره الجديد له.

يصل الأمر إلى ذروته عندما ينقل ليكويي دوتوي إلى غرفة صغيرة مظلمة مجاورة لمكتبه، كتب على بابها "غرفة التخزين". يتقبل دوتوي هذا الإذلال بقلب مستسلم، لكنه يبدأ بالتخيل أن مديره هو ضحيته في أحلامه العنيفة.


اكتشاف القدرة والمواجهة 
في أحد الأيام، يقتحم ليكويي غرفة دوتوي وهو يصرخ ويشتم، ويرمي رسالة على وجهه بعد أن جعدها. يغضب دوتوي غضبًا شديدًا، وفجأة يشعر بإلهام غريب. يترك مقعده ويدخل في الجدار الذي يفصل مكتبه عن مكتب نائب الرئيس.

يظهر رأس دوتوي من الجدار في مكتب ليكويي، مما يسبب ذهولًا ورعبًا للمدير. ينطق الرأس قائلًا "سيدي، أنت داعر وقذر ووغد". يركض ليكويي إلى غرفة دوتوي فيجده جالسًا بهدوء وكأن شيئًا لم يحدث. لكن بمجرد أن يعود ليكويي إلى مكتبه، يعاود الرأس الظهور ويتكرر السُباب.

تنتشر القصة بين زملائه، لكنهم يرفضون تصديقها. عندما يقرر دوتوي الاعتراف علنًا بقدرته، يستقبله زملاؤه بسخرية واستهزاء، ويصبح موضوع نكات لا حصر لها. 


الاعتقال والسجن والهروب 
بعد أيام، يُلقى القبض على دوتوي في متجر مجوهرات، حيث كان يغني ويكتب توقيعه على عداد النقود. رغم قدرته على الهروب عبر الجدران، يتعمد البقاء ليُقبض عليه، ربما لإرباك زملائه الذين سخروا منه. تنتشر صورته في الصحف، ويشعر زملاؤه بالندم ويحاولون تقليده بإطلاق اللحى الصغيرة.

في السجن، يشعر دوتوي أن الجدران السميكة متعة حقيقية له. في اليوم التالي، يكتشف الحراس أنه نقش مسارًا على جدار زنزانته وعلق ساعة ذهبية تخص مدير السجن. تستمر هذه المناورات إلى أن يهرب دوتوي نهائيًا من السجن، ويغير مظهره بحلق لحيته واستبدال نظارته، وينتقل إلى شقة جديدة. لكن شهرته تبدأ تثقل عليه، ويفقد متعة عبور الجدران التي أصبحت تبدو له مجرد ستائر سهلة. يخطط للسفر إلى مصر ليعبر جدران الأهرام. لكنه يقع في حب امرأة شقراء جميلة، فينسى فكرة السفر.


النهاية المأساوية
في اليوم التالي للقائه بالشابة، يشعر دوتوي بصداع شديد. يبتلع قرصين كان يعتقد أنهما أسبرين، لكنهما في الحقيقة مسحوق رباعي التكافؤ الذي سبق للطبيب أن وصفه له.

عندما يحاول عبور جدار الحديقة بعد قضاء ليلة مع حبيبته، شعر بمقاومة غريبة، وكأنه يتحرك في مادة هلامية تزداد تماسكًا. 
وبعد أن نجح في اختراق سمك الجدار لم يعد يستطيع التقدم أو التراجع، فتذكر برعب القرصين اللذين تناولهما، وفهم أنه دواء السبيريت الرباعي التكافؤ وأن مفعوله قد بدأ!

يبقى دوتوي مجمدًا داخل الجدار حتى اليوم، مطمورًا في الحجر. في ليالي الشتاء، يسمع المارة صوتًا مكتومًا كأنه قادم من وراء القبر، يظنونه عويل الرياح، لكنه في الحقيقة بكاء دوتوي على نهاية مسيرته المجيدة وشغفه القصير. 

في بعض الليالي يحمل الرسام جين بول قيثارته ليعزف أغاني يواسي بها السجين المسكين، فتتغلغل الأنغام في قلب الحجر كقطرات من ضوء القمر.



دلالة القصة 
القصة تحمل طابعًا ساخرًا وخياليًا، لكنها في العمق تتحدث عن الحرية والسلطة والخيال والرغبة في التميز. دوتوي لا يبدأ بطلاً، بل موظفًا عاديًا، ثم تتحول قدرته إلى وسيلة انتقام، ثم إلى وسيلة مجد وشهرة، ثم إلى مأساة. وكأن القصة تقول إن القوة الخارقة لا تكفي وحدها، فالشخصية والرغبة والاختيار والظروف كلها تحدد مصير الإنسان.



مارسيل إيميه

وُلد عام 1902 في بلدة جواني بمنطقة بورغوني، لكنه نشأ في ريف إقليم جورا بعد وفاة والدته في طفولته المبكرة. 
توفي في باريس عام 1967 عن عمر 65 عامًا، تاركًا إرثًا أدبيًا يمزج بين الواقعية والسخرية والخيال.

تخلى عن دراسة الطب، وعمل في وظائف متعددة (بنك، صحافة) قبل أن يتفرغ للكتابة.

نشر روايته الأولى عام 1926، لكن شهرته الحقيقية بدأت عام 1929 عندما فاز بجائزة رينودو.

عُرف ببُعده عن الأوساط الأدبية والنخبوية، ورفضه الانضمام للجان الجوائز ووسام جوقة الشرف.


أهم أعماله 
الروايات: الفرس الخضراء- أورانوس 
القصة القصيرة: الرجل الذي يعبر الجدار- حكايات الهرة الواقفة.
إضافة لكتاباته في المسرح.

صنع النحات والممثل الفرنسي جان ماريه عام 1989 تمثالًا برونزيًا في حي مونمارتر (الظاهر في الصور أعلاه) تكريمًا للكاتب مارسيل إيميه الذي عاش في هذا الحي.

تتمثل الإشارة البارزة إلى تفاعل الجمهور مع التمثال في أن يده اليسرى أصبحت لامعة وبرّاقة، وذلك لأن السياح اعتادوا على لمسها وهم يحاولون تصويره أو كأنهم يساعدونه على الخروج من الجدار .



 

إلياس


 يحكى أنه كان يعيش في بلدة واحد من البشاكرة يدعى إلياس...
قضى أبوه نحبه بعد أن متع ناظريه بزوجة ولده - دون أن يخلف له شيئاً من الأرض يأتي له بريع من الرزق يعيش هو وامرأته عليه. فلم يدع له سوى سبعة من الخيول والأفراس وبقرتين وعشرين رأساً من الغنم.


فشمر إلياس عن ساعد الجِد... وكان ماهراً في رعاية الحيوان بارعاً في تربيته ذا جَلَد ومثابرة، فراح يتولى ماشيته بعنايته، ويهيء لها من المرعى والمأوى كل ما يدخل في طوقه.

وكان- هو وزوجته- يعملان سحابة يومهما وجنحاً من ليلهما... ينهضان على تبكير من الغسق، وهما آخر من يأوي إلى مضجعه في العشي. وأقاما على تلك الحال حتى بارك الله في ماشيتهما، وضاعفها. فزادت وتكاثرت عاماً إثر عام، وأتيح لهما وفرٌ فيما يملكان من ثروة ومال.

وحينما وافت السنة الخامسة بعد الثلاثين على تمها صار لإلياس من الخيول مائتان، ومن البقر مائة وخمسون ومن الغنم ألف ومائتان... فاستأجر رجال يحملون عنه عِبءَ الرعي ويقومون على معونته... وأتى بأجيرات من النساء يحلبن له ماشيته ويخضون ألبانها ويستخلصون منها الزبد والسمن والجبن "والكميس".

فأيسر إلياس... وأخصب جانبه وأرغد عيشه، وراح يعيش في دعة... فعظم مقامه بين جيرته، وذاع شأنه بين من يقنطون في واديه. وأخذ كل امرئ يغبطه ويتحدث عنه- وفي نفسه حسد- "إن إلياس رجل بخيت ذو جد جلب عليه كل ما يراود أمل الإنسان من رغبات... فهو- دون ريب- سعيد بهذه الدنيا هانئ بها".

تقاطرت على إلياس جموع الزوار من كل حدب... فكان يتلقى كل واحد منهم بالترحيب والتكريم، وينحر لهم الخراف ويهيء لهم موائد حافلة باللذيذ الفاخر من الطعام والشراب ويقدم له ما راق لهم من "الكميس" والشاي.

كان لإلياس ولدان وبنات زوجهم جميعاً...
وحينما كان في أيام فقره وعسره كان هؤلاء الأبناء عوناً لأبيهم في رعاية قطعانه. وحتى إذا ما زخرت خزائنه بالمال سرت إلى نفوسهم عوامل الفساد والتلف. فأقبل واحد منهم على الخمر يعب كؤوسها حتى يضل منه الوعي ويُحمَل مخموراً إلى داره. ولم يلبث أن قُتل في عراك بين أبناء الحي من ذوي النفوس الشريرة.

أما الآخر فقد تزوج بامرأة رقيعة خرقاء، جعلت تسعى بالباطل بين الولد وأبيه حتى أوغرت نفسيهما وأضغنت قلبيهما. فافترقا بعد أن تخلى إلياس لإبنه عن جواد وقطيع من الغنم.

لم ينقض حينٌ على ذلك حتى تفشى المرض بين الماشية، فأورد كثيراً منها مورد الهلاك والفناء. وساء الحصاد في هذا العام ولم تأت الأرض إلا باليسير... فحصد الموت بعض ما تبقى من الجوع. ثم أغارت قبائل القرغيز على أملاك إلياس فاستحوذت على البقية الباقية من حيواناته.

وبين ليلة وضحاها أصبح إلياس، فإذا بأمواله قد عبثت بها يد الزمان، وأدبرت عنه الدنيا وهي ساخرة في حين ضعف فيه جسده ووهنت قواه. فباع أثاث داره ثم لم يلبث أن باعها هي الأخرى.

وبات هو وزوجته- وكانت تدعى شام شماجي- على الطوى وليس لهما من موئل يأويان إليه، فقد رحل ولدهما وزوجته عن البلدة، وماتت ابنتهما منذ زمن بعيد. فلم يجد الزوجان إلى جانبهما في خريف العمر من يسعى عليهما بالقوت.

وكان لهما جار يدعى محمد شاه ليس بالغني وليس بالفقير بل يحيا حياة ذات رخاء ويسر. فعطف عليهما ورحم كبرهما إذ كان ذا قلب يفيض بالحب وعروق تنبض بالرحمة. فطاف بعقله ما كان عليه إلياس من كرم وجود.
فقال له: تعال وأقم معي يا إلياس أنت وزوجك العجوز، وما عليك سوى أن تفلح حديقة البطيخ في الصيف، وفي الشتاء تطعم الماشية وترعاها... إذا وسع مقدورك هذا!! أما زوجتك الفاضلة شام شماجي فسوف تجلب الأفراس وتستخرج لنا من ألبانها كميساً طيب المذاق بديع الصنع.

وسأهيء لكما من الملبس والطعام ما تقر به عيونكما وترومانه فإن أعوزتك حاجة بعد ذلك فخبرني بأمرها، وإني لأعدك بأن أتيحها لك ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.

أقبل إلياس وامرأته على العمل في خدمة جارهما. ولعلهما صادفا في أول الأمر صعوبة، وشقت عليهما الخدمة. بيد أنهما لم يمكثا غير قليل حتى تعودا على ذلك، واستقر بهما المقام عنده يعملان له ما يسعهما.
وكان يتسرب الألم والرثاء إلى قلب محمد شاه حينما يبصر بهما بعد غناهما العريض وعِلَة منزلتهما، ينحدر إلى مثل هذه الحال. لقد حرز في نفسه هذا ولكنه أفاد منهما إذا أطلق لهما حرية الأمر، فلم يسعهما سوى أن يتفانيا في خدمته بإخلاص وجِد.

وذات يوم نزل في ضيافة محمد شاه نفر من ذوي قرابته وصديق له من رجال البحر فذبح إلياس لهم شاة وسلخها وبعد أن أنضجها على النار، بعث بها إلى الأضياف فأكلوا منها ما طاب لأنفسهم.

وبينما هم قعود على البسط الثمينة يتناقلون الحديث ويرشفون كؤس "الكميس" مر بهم إلياس- وقد فرغ من عمله- فلما أبصر محمد شاه قال لواحد من أضيافه: هل لمح طرفك هذا الرجل الذي مر بنا منذ لحظات؟!

فأجابه الضيف في عجب: أجل.! فما الذي يدعو إلى سؤالك هذا؟! 
- لقد كان أغنى إنسان في هذه الناحية من الأرض! إنه يدعى الياس. أما سمعت بذلك الاسم من قبل؟! 
- لقد طرقت سمعي أخبار عنه مؤكداً... إني لم أره قبل الآن ولكن شهرته ذاعت كل البقاع! 
- هذا حق... بيد أنه الآن صفر اليدين ذو متربة وعسر. فهو يقيم معي هنا يعمل في أرضي ويرعى أغنامي، أما زوجته فتحلب ماشيتي وأفراسي!

فأدرك الدهش ذلك الضيف ومط شفيتيه وهز رأسه وهو يقول: الأيام دول من سره زمن ساءته أزمان. فبين عشية وضحاها يصير المرء من أعلى عليين إلى أسفل سافلين! 
هل ترى المصيبة تقض مضجع هذا المسكين وتجعله يندب حظه على ما ضاع من بين يديه؟! 
- ومن يدريك؟! إنه يعيش في هدوء وسكينة يحسن القيام بعمله.
فعاد الضيف يقول: بودي أن أتحدث إليه حيناً هو وزوجته، أفيمكنني هذا؟ 
- ولم لا؟!
وراح السيد ينادي على إلياس: يا أبت. هيا اشرب معنا قدحاً من الكميس. وادع زوجتك إلى هنا كذلك.

فدلف إلياس مع زوجته إلى الحجرة... وبعد أن ألقى تحيته على الأضياف جلس على قرب من الباب، وراح يتمتم بصلات خفية في صوت خفيف... أما زوجته فتجاوزت المكان إلى ستر في ركن منه حيث جلست خلفه مع سيدتها.

وقدم محمد شاه إلى إلياس قدحاً من أقداح "الكميس" فتناوله ولسانه يلهج بعبارات الشكر والحمد، وبعد أن تمنى للحاضرين صحة وعافية راح يترشفه على مهل، ثم وضعه جانباً.
فقال له الضيف الذي كان يروم رؤيته: حسن يا أبتاه. أحسب إن حديثنا سوف يثير في نفسك لواعج الحزن والأسف ويبعث في نفسك ذكرى ما كنت تتملكه من دور وضياع ومواش ذهبت هباء مع الريح. لعلك آسف وضيق النفس بما أنت فيه الآن!

فوضحت على ثغر إلياس ابتسامة هادئة وقال في صوت رزين: لو إني أخبرتك ما هي السعادة، وما هي عثرة الحظ لأثار ذلك دوافع الشك لديك في نفسك! فيحسن بك إذن أن تسأل زوجتي. فكل ما في قلوب النساء يجري طلقاً على ألسنتهن... ولسوف تنبئك عن بينة بجلية الأمر.

فاستدار الضيف نحو الستار وهو يقول: هلا تخبرينا يا جدتي العجوز كيف أن سعادتكم السابقة تقرن بما يكتنفكم الآن من بؤس وشقاء؟؟
فأرتفع صوت شام شماجي من خلف الستار: هذا ما يدور بخلدي! لقد عشت أنا وزوجي العجوز خمسين عاماً نسعى في سبيل السعادة وننقب عنها، فلم ندرك لها أثراً... ولكنها الآن في هاتين السنتين الأخيرتين، منذ أن ودعنا الغنى ورفعة الشأن، وأصبحنا نعمل كأجيرين بلغنا السعادة وعرفناها على حقيقتها وصرنا ننعم بها كل صباح ومساء... فلسنا نبغي أسعد من أيامنا هذه.


فرانت الدهشة والعجب على وجوه الأضياف وكذلك صاحب الدار الذي قام فحسر الستار عن مكان المرأة العجوز وهي جالسة، وقد عقدت يديها على صدرها وراحت تتبسم لزوجها فابتسم هو الآخر لها.

وبعد أن مضت برهة من الصمت تعلقت فيها الأنفاس عادت تقول بصوتها الهادئ: إني لا أحدثكم بغير الحقيقة... وما في قولي من مبالغة بل هو الحق الخالص... لقد أبلينا ربع قرن من الزمن ونحن نسعى إلى السعادة... وعلى قدر ما كنا أغنياء كانت محرمة علينا. أما الآن وقد صرنا أجيرين لا نملك من متاع الدنيا شيئاً أحسسنا بالسعادة التي لا نود بديلاً منها. 
فقال لها ذلك الضيف متسائلاً: بالله خبرينا ما هذه السعادة التي تشملك أنت وزوجك في إعسار بعد اليسر وادبار الدنيا عنكما بعد إقبالها عليكما؟! 
- أصبت... حينما كنا أغنياء كان لدينا من المشاغل ما يصرفنا عن إئتناس الزوج بزوجته وتآلف روحينا. وعبادة الله عز وجل... لقد كان الناس يفدون علينا فنسهر على خدمتهم وتوفير ما يثلج قلوبهم خشية أن تتناولنا ألسنتهم بالسوء ويتحدثون عنا بما نكره... فإذا ما رحلوا كان علينا أن نراقب عمالنا ومن يقومون على خدمتنا حتى لا تنزع بهم دوافع الشر إلى خيانتنا فيما نعهد به إليهم. كما أننا كنا نحاول أن ننقص أجورهم ونفيد منهم أكثر مما نستحق. فارتكبنا الخطيئة الأولى.

ثم إننا كنا- إذا ما جن الليل- نبيت ونحن أيقاظ خشية أن تفترس الذئاب الوحوش بعض الأغنام أو يعمد فريق من اللصوص إلى سرقتها في غفلة من حراسها. وننهض بين حين وآخر لنطمئن عليها... وغير ذلك مما كان ينشأ من المشاكل، ثم أضف إلى ذلك ما كان ينشب بيني وبين زوجي من شجار ونزاع... فهو يريد شيئاً وأنا أود ما هو ضده فنخطئ ثانية.

وهكذا كنا لا نكاد نتجاوز صعوبة حتى نقابل أخرى... ونستدبر خطيئة حتى نواجه ثانية فعشنا لا نجد إلى السعادة سبيلا!
- حسن... والآن؟ 
- الآن حينما أفيق أنا وزوجي العزيز في الصباح بعد نوم هادئ مطمئن لا ينغصه الخوف ولا الفزع. نتبادل كلمات الحب وعبارات الود. وبدأنا نحيا في هدوء وسلام لا تعكر صفوه تلك الأسباب التي كانت تثير النزاع والشقاق بيننا. 
ليس علينا من واجب سوى خدمة ذلك السيد الكريم الذي أحسن إلينا... فنحن نتفانى في العمل لصالحه، حتى لا يحس في وجودنا مضرة به أو ثقلاً عليه.
ونتناول غداءنا هنيئاً مع أكواب "الكميس"، وقد توفرت لدينا الأخشاب التي نطعمها النار ونستمتع بدفئها إذا ما اشتدت وطأة البرد ويأتينا سيدنا بالثياب ذات الفراء التي تعوزنا.

أما الوقت فقد بتنا نجد فيه ما يتسع لحديث كل منا إلى الأخر في ود وغزل... فنفكر في أنفسنا ونتعبد متقربين إلى الله نسأله الصفح والغفران عما ارتكبناه من الخطيئات. نعم لقد سعينا خمسين عاماً في سبيل السعادة فلم نجدها إلا الآن.

فضحك الأضياف...
ولكن إلياس ما لبث أن قال لهم في صوت ذي جرس هادئ وإن شاعت فيه رنة العتاب: ليس ثمة مجال للضحك أيها الرفاق... فليس هذا الحديث مثاراً للضحك والهزل، بل عبرة وعظة. إنها حقيقة الحياة... لم ندركها إلا حينما توج رأسانا المشيب.
 لقد كنا نحن كذلك سخفاء وحمقى حينما بكينا طويلاً على ما ضاع من ثروة وعلو شأن... ولكن الله- تعالت قدرته هدانا الآن إلى الحقيقة. فما أجملها وما أجلها .

إنا لا نذكر هذه الحقيقة لكم ابتغاء السلوى والعزاء لنا ولكن نجلوها على أسماعكم لهدايتكم وخيركم!

فقال الملاح وقد اغرورقت عيناه بالدموع: إنك لعلى حق يا إلياس... إنه حديث الحكمة والموعظة... وقد جاء ذكره في الكتب المقدسة التي نزلها الله ليهدي بها عباده.

وأمسك الأضياف عن الضحك. واستغرقوا في فكر عميق.





الكونت ليف نيكولايافيتش تولستوي- ليو تولستوي

ولادته- 9 سبتمبر 1828، في مقاطعة تولا جنوب موسكو، لعائلة نبيلة.

وفاته- 20 نوفمبر 1910، في محطة قطار استابوفو عن عمر 82 عاماً. ودُفن في عقاره ياسنايا بوليانا في روسيا.

أديب روسي عظيم، يُعد من أعظم الروائيين على الإطلاق ومن أعمدة الأدب الروسي في القرن التاسع عشر. نبذ الثراء والألقاب، وعاش فيلسوفاً مفكراً.

صوّر نفسه قائلاً: بطل قصتي الذي أحبه بكل قوة روحي، كان وما يزال وسيظل جميلاً- هو الحقيقة .



أشهر أعماله

الحرب والسلم 
آنا كارنينا




نشرت هذه القصة عام 1885 
ترجمها الأستاذ مصطفى جميل مرسي ونُشرت في العدد 727 من مجلة الرسالة الذي صدر بتاريخ 9 يونيو 1947


 

مدام بوفاري


 
تتزوّج إيما من شارل بوفاري وهي تتوقع حياةً أكثر جمالًا وإثارة، لكن الزواج يكشف لها رتابة الحياة الريفية وضعف زوجها العاطفي والفكري.
تبدأ في الهرب من واقعها عبر الأحلام والعلاقات العاطفية، فتنجذب إلى رودولف ثم إلى ليون، لكنّ هذه العلاقات لا تمنحها السعادة التي تتخيلها.
في الوقت نفسه، تتورط في الإسراف والشراء بالدَّين، ويستغلّها التاجر لوريّو، فتتفاقم أزمتها المالية والنفسية.
فتكون النهاية هادئة ومادية، لا درامية صاخبة، ففلوبير أراد أن يبيّن أن السقوط الحقيقي يحدث تدريجيًا قبل الموت بوقت طويل.

أهمية الرواية أنها ليست مجرد قصة خيانة أو زواج فاشل، بل نقد عميق للزيف الاجتماعي وللأحلام التي تُبنى على الصورة لا على الواقع. تنتقد وهم الرومانسية حين يصطدم بالواقع اليومي، وتُظهر كيف قد تقود الأحلام غير الواقعية إلى الخراب. كما تكشف عن رتابة المجتمع البرجوازي والريفي، وعن الفراغ العاطفي الذي يدفع الإنسان إلى الهروب بدل المواجهة.
وتُعدّ أيضًا دراسة دقيقة للنفس البشرية، خاصةً في التناقض بين الرغبة والواقع وبين الخيال والمسؤولية.

فمدام بوفاري الشخصية المركزية ليست مجرد امرأة خائنة، بل نموذج لإنسان يلتبس عليه الفرق بين الحياة كما هي والحياة كما يتخيلها. ففلوبير لا يجعلها ضحية فقط، ولا مدانة فقط؛ بل يصنع منها مرآة لصراع إنساني دائم بين الرغبة والصورة والواقع.
ومن خلال الشخصيات الثانوية والرموز اليومية، يفضح الروايةُ المجتمعَ الذي يبيع الأحلام ثم يعاقب من يصدقها.

تُقرأ إيما بوفاري نفسيًا بوصفها شخصية تعيش فجوة مزمنة بين الداخل والخارج. داخلها مشحون بالتوق، والخارج فقير ومحدود، لذلك تتحول الرغبة عندها إلى قوة مدمّرة بدل أن تكون دافعًا للنمو. ودوافعها ليست "حبًا" بالمعنى البسيط، بل خليط من جوع عاطفي، وتوق إلى التميز، ورغبة في الهروب من الشعور بالاختناق والابتذال.

هي ليست شخصية ثابتة، بل كيان يتغذى على التوتر بين ما تتخيله وما تعيشه. ميلها المتكرر إلى التمرد ثم الإخفاق يكشف أنها لا تبحث فقط عن رجل أو علاقة، بل عن هوية تمنح حياتها معنى. ولهذا تبدو انفعالاتها حادة ومبالغًا فيها أحيانًا؛ فهي لا تتعامل مع الوقائع بوصفها وقائع، بل بوصفها اختبارات لقيمة ذاتها.
الخيال عندها ليس زينة نفسية بل نظامًا كاملًا تعيش داخله. قراءاتها الرومانسية وصورها المثالية عن الحب صنعت لديها توقعات أكبر من الواقع، فصارت ترى الحياة اليومية كإهانة للحلم لا كحياة طبيعية. هذا جعلها لا تتحمل التدرج والملل والتسوية، وهي عناصر لا غنى عنها في أي علاقة بشرية حقيقية.

تسعى دومًا إلى أن ترى نفسها امرأة استثنائية، لا زوجة ريفية عادية. لذلك ترتبط رغبتها في الحب برغبة أعمق في الاعتراف واللمعان والفرادة، وكأنها تريد من الآخرين أن يثبتوا لها أن حياتها أكبر من حدودها الاجتماعية. لكن هذه الحاجة تجعلها هشّة جدًا أمام الخيبة، لأن كل خيبة لا تُفهم عندها كفشل جزئي، بل كإدانة كاملة للذات.
أما غموضها فيأتي من أن دوافعها متداخلة، فهي تريد الحب، لكنها تريد أيضًا الخلاص من الملل؛ تريد الشغف، لكنها تريد المكانة؛ تريد الحرية، لكنها تتصرف أحيانًا كمن يطلب إنقاذًا خارجيًا.
هذا التناقض يفسر لماذا تبدو أفعالها أحيانًا متسرعة وغير عقلانية، إنها لا تتحرك فقط بدافع المتعة، بل بدافع نفي واقعها الداخلي المؤلم.

عندما يتراكم الفشل العاطفي والمالي، لا تنهار إيما اقتصاديًا فقط، بل ينهار معها الوهم الذي كانت تبني به ذاتها. الديون هنا تكشف أن الرغبة حين تفقد الضبط تتحول إلى عبء مادي ونفسي، وأن الخيال إذا انفصل تمامًا عن الواقع قد يصبح طريقًا إلى التدمير. لذلك فإن نهايتها ليست نتيجة "خطيئة" واحدة، بل نتيجة مسار نفسي طويل من الإشباع المؤجل والبحث المحموم عن معنى خارج الذات.

يمكن القول إن إيما تمثل شخصية مأزومة لا لأنها تريد الكثير، بل لأنها تريد ما لا يمكن للواقع أن يمنحه لها بالصورة المثالية التي تتخيلها. هي ضحية خيالها بقدر ما هي ضحية مجتمعها، ولهذا تبقى من أكثر الشخصيات الروائية قابليةً للتأويل النفسي العميق.

في الفصول الأخيرة من الرواية تتكثف الرموز بحيث تصبح النهاية نفسها قراءةً في انهيار الحلم. كل عنصر مادي تقريبًا يتحول إلى علامة على انطفاء الأمل، وكأن فلوبير يكتب مأساة نفسية عبر أشياء عادية جدًا.


الرموز

 القراءة والروايات الرومانسية: ترمز إلى تشكّل وعي إيما عبر الخيال، لكنها في الوقت نفسه سبب رئيس في تشويه توقعاتها عن الحب والحياة.

الريف والطبيعة: لا تظهر هنا كفضاء للسكينة، بل كرمز للجمود والاختناق والرتابة، أي كعالم يُطفيء الحلم بدل أن يغذيه.

الرسائل واللقاءات السرية: ترمز إلى المسافة بين ما يُقال وما يُخفيه الداخل، وإلى أن العلاقات في الرواية كثيرًا ما تقوم على التمثيل لا الصدق.

المرض والانهيار الجسدي: يرمزان إلى أن الأزمة النفسية في الرواية لا تبقى داخلية، بل تتحول إلى تدمير كامل للذات.
 
الديون: هي الرمز الأوضح في الجزء الأخير من الرواية. في البداية تبدو نتيجة للإسراف، لكنها تتحول تدريجيًا إلى قيد وجودي يطوّق إيما من كل جانب، حتى تصبح غير قادرة على التمييز بين الأزمة المالية والأزمة النفسية.
الديْن هنا ليس مجرد رقم، بل صورة لانتصار الواقع القاسي على الخيال الذي بنت عليه حياتها.

الغرفة والفضاء المغلق: كلما اقتربت الرواية من نهايتها، يضيق الفضاء حول إيما: البيت، الغرفة، الجدران، والانتظار الطويل.
هذا التضييق المكاني يرمز إلى انسداد الأفق الداخلي، وكأن العالم نفسه لم يعد يسمح لها بالنفَس أو بالهروب.
الغرفة الأخيرة لا تعني الأمان، بل العزلة والاختناق.
 
الرسائل: في الفصول الأخيرة تفقد طابعها العاطفي القديم وتصبح أقرب إلى وثائق فضيحة وحساب. إنها ترمز إلى سقوط اللغة الرومانسية التي كانت إيما تؤمن بها، وصعود لغة باردة تحكمها المطالبة بالدَّين، والضغط، والتهديد.
هنا يتبدل معنى الكتابة نفسها: من وعد بالحب إلى أداة للفكّ والافتضاح.

الجسد المريض: جسد إيما في النهاية لا يعبّر فقط عن المرض، بل عن انهيار الكيان كله. الألم الجسدي يصبح ترجمة مباشرة للأزمة النفسية، وكأن الذات التي لم تعد قادرة على الاحتمال صارت تتكلم عبر الجسد.
ولهذا فإن الاحتضار ليس حدثًا بيولوجيًا فقط، بل رمز لانطفاء الوهم الذي عاشته. 
فالسمّ الذي تناولته إيما في هذا المشهد ليس مجرد وسيلة للموت، بل رمز لمحاولة يائسة لفرض السيطرة على حياة خرجت من يدها. فهي لا تختار الموت بوصفه رغبة هادئة، بل بوصفه آخر فعل إرادة أمام عالم لم يعد يمنحها أي مخرج.
وهذا يجعل الانتحار عندها تعبيرًا عن التحدي بقدر ما هو تعبير عن الهزيمة. 
فالجسد لا يعود مجرد حامل للذات، بل يصبح المسرح الذي تنكشف عليه الحقيقة كاملة. التشنج، الضعف، والاختناق الرمزي كلها تؤكد أن ما انهار أولًا هو النفس، ثم تبعها الجسد.
لذلك يبدو موتها كأنه كتابة أخيرة على الجسد بدل اللغة. 
والمفارقة أن موت إيما لا يحرر العالم من مأساتها؛ بل يكشف ضآلة من حولها أيضًا. شارل لا يفهم ما حدث إلا متأخرًا، ولوريّو ودوائر المجتمع يظلون مرتبطين بالحساب والمصلحة، لا بالمأساة الإنسانية نفسها.
وهكذا يتحول الموت إلى مرآة أخلاقية تُظهر فراغ المجتمع بقدر ما تُظهر سقوط البطلة. 
يختصر مشهد الانتحار فكرة الرواية كلها، حين يصبح الخيال منفصلًا تمامًا عن الواقع، فإن النهاية لا تكون انكشافًا جميلًا بل احتراقًا بطيئًا. فلوبير لا يمجّد الموت، بل يجعله نتيجة مريرة لوهم طويل.

ولهذا يبقى المشهد من أقسى مشاهد الرواية، لأنه لا يقدّم خلاصًا بل يثبت أن الخلاص المتخيّل كان هو نفسه جزءًا من المأساة.

بعد موت إيما، يتحول شارل إلى رمز للحب الأعمى والعجز المأساوي أكثر من كونه مجرد زوج مهزوم. فهو لا يمتلك قوة الفهم، ولا القدرة على المواجهة، ولذلك يبدو كأنه يعيش داخل ظلّ إيما لا بعدها. فموتها لا يحرره، بل يكشف فراغه الكامل. يظل متعلقًا بها حتى بعد انكشاف خيانتها وديونها، مما يجعله رمزًا للوفاء الساذج الذي لا يرى الحقيقة إلا متأخرًا جدًا.
هذا الحب لا يمنحه قيمة بطولية، بل يجعل مأساته أعمق، لأنه يحب صورةً أكثر مما يفهم إنسانة. فهو يرمز إلى البراءة المكسورة، فهو طيب بلا عمق، ومخلص بلا بصيرة، ولذلك يعجز عن حماية نفسه أو حماية إيما.
ومع تصاعد الأحداث، يبدو كأن فلوبير يضعه في موقع الضحية الهادئة التي لا تعرف كيف تنقذ ما تحب. 
بعد موت إيما، يصبح شارل شاهدًا على تهاوي كل ما كان يظنه ثابتًا: الزواج، البيت، والكرامة الاجتماعية.
لكن بدلاً من أن يتحول إلى مقاوم أو كاشف للحقيقة، ينهار صامتًا، وهذا الصمت نفسه جزء من دلالته الرمزية؛ فهو يعبّر عن مجتمع عاجز عن الفهم مثلما هو عاجز عن التغيير.

بهذا الأسلوب، تصبح مدام بوفاري رواية عن الفشل في الفهم قبل أن تكون رواية عن الخيانة أو الانتحار. فلوبير يبين أن المأساة تبدأ حين يعيش الإنسان داخل صورة مزيفة عن نفسه وعن الحب وعن العالم.
ولهذا تبقى الرواية مؤلمة حتى اليوم، لأنها لا تتحدث فقط عن إيما، بل عن قابلية البشر جميعًا لأن يخدعوا أنفسهم بالصور الجميلة.


غوستاف فلوبير 1821- 1880 
روائي فرنسي من القرن التاسع عشر، من أهمّ مؤسسي الرواية الواقعية الحديثة في الأدب الفرنسي والأوروبي.




اشتهر خصوصًا برواية مدام بوفاري التي أثارت جدلًا كبيرًا عند صدورها بسبب تصويرها الصريح لحياة إيما بوفاري ونقدها للمجتمع البرجوازي.

ولد فلوبير في روان بفرنسا في أسرة مرتبطة بالمجال الطبي، ودرس الحقوق في البداية لكنه اتجه إلى الأدب وكرّس حياته له.
عُرف بدقته الشديدة في الكتابة وبحثه عن الأسلوب المثالي، وكان يميل إلى الملاحظة الموضوعية بدل الانفعال المباشر.
كما ارتبط اسمه بعدة أعمال مهمة مثل التربية العاطفية- سالامبو- قلب بسيط.

يُنظر إليه بوصفه أحد الذين غيّروا مسار الرواية الفرنسية، لأن كتابته جعلت الواقعية أكثر عمقًا ودقة في تصوير النفس والمجتمع. كما أن تأثيره تجاوز عصره، لأن طريقته في بناء الشخصية ووصف التفاصيل أثّرت في كثير من الروائيين بعده.

بلغ فلوبير ذروة فنه في رواية مدام بوفاري، إذ جمع بين تحليل النفس البشرية، ونقد الوهم الرومانسي، وتصوير الحياة اليومية بلغة دقيقة جدًا.
ولهذا تُعد الرواية أهم عمل مرتبط باسمه، وأحد النصوص المؤسسة للرواية الحديثة.


 

Twitter Bird Gadget