أفعال الشياطين



كان يسير بمحاذاة مطعم فاخر حين تلقى ركلة من حارس أمن أفقدته توازنه، متلقياً بعدها الشتائم من كل نوع، لهذا قرر التجوال منذ ذاك أمام المطاعم الشعبية فقط، فهناك أناس تجمعه بهم بعض صلة ولو من بعيد جداً، هناك يجد في فتات الخبز وبقايا الطعام طراوة وإن كانت لا تقارن بتلك التي كانت تعدها أمه وهو في الثامنة من عمره.
كان معروفاً ب"زيكو" لكن اسمه الحقيقي زكرياء، فالناس ترفض مناداته باسمه لكونه ابن حرام حسب ما يقولون، فابن الزنا لا يستحق اسماً جميلاً مثل اسمه، طويل الشعر مقطب الحاجبين معظم الوقت، غير مبال بما يقوله الناس، غرضه أن يقتات ما يبقيه حياً وهو حتى لا يعرف لما هو حي؟ حاول في البداية العمل،
لكن سكان الحي رفضوا استخدام عديم الأصل هذا، فمثله نذير شؤم ونحس مرفوض، يسمع من الشتائم في اليوم الواحد ما لم تسمعه ليلى من قصائد الغرام، ينام ليله على حافة باب المسجد حين ينسحب الجميع إلى أفرشتهم، ويطمئن أن أحداً لن يركله في ظهره بعد أن يتسرب النوم من بين ذكريات الماضي إلى عينيه.
في النهار يقضي معظم وقته خارج الحي، فذلك يجنبه انشغال البعض بشتمه وسبه كلما ظهر أمامهم.
لقد كان يحرص عندما يصل يوم عيد الاستقلال، الصعود إلى التل المطل على المتنزه العمومي حيث يحتشد سكان الحي إضافة إلى الأحياء الأخرى، لمراقبة الألعاب النارية التي تضيء السماء بألوان زاهية ومشعة تلهب خيالات الأطفال، لكنه يكون غير مبال بتلك المفرقعات فكل نظره يكون مركزا على تلك الحشود، يبحث عن أم ضمت طفلها إلى حضنها، أو أخرى تلاحق أطفالها الذين تفرقوا في أرجاء المتنزه.
يبتسم تارة ثم ترتسم على وجهه في لحظة علامات الشرود حيث يسبح بعيداً إلى سن الثامنة بالضبط، عندما كان يسأل أمه بإلحاح
أن تأخذه للتفرج على المفرقعات، فكانت تمنعه بحجة كونها شريرة وأنها من فعل الشياطين، كانت أمه المسكينة تحرص على تجنيبه أقاويل سكان الحي ونظراتهم المتطرفة، لكنه لم يكن يفهم معنى ابن حرام وابن حلال، بل كان يعرف فقط أن الأطفال اجتمعوا ليتفرجوا على الألعاب النارية.
تسقط من عينيه دمعة محملة بدفيء مفقود منذ أمد، تتبعها أخريات ثم أخريات حتى تشكل حملاً من الدموع الدافئة، ليس لوضعه ولا معاناته التي عرف أنها قدره، بل يبكي فقط ليحس بأنه ما زال على قيد الحياة.
عاد إلى مضجعه عند باب المسجد وأسند رأسه إلى كومة خرق ليذهب بفعل قسوة الشتاء إلى مكان يجهله سكان الحي، ليرتاح أخيراً من قدر كان محتوماً ويترك سكان الحي يتخاصمون، بين مقرر هدم المسجد النجس بجثة ابن الحرام، وبين قائل: يكفي صب الماء على موضع النجاسة.




محمد أكروح:

كاتب قصة مغربي.

No comments:

Post a Comment

Twitter Bird Gadget